كانت مدينة ميامي غاردنز، التي تضم جالية كولومبية كبيرة، تعيش أجواءً احتفالية مساء السبت الماضي عندما تفوقت كولومبيا على البرتغال في مباراة ممتعة انتهت بالتعادل السلبي.
ورغم إثارة اللقاء، لم تكن هناك رهانات كبيرة، إذ كانت كولومبيا قد ضمنت بالفعل التأهل إلى الأدوار الإقصائية بعد فوزها على أوزبكستان والكونغو الديمقراطية.
ولو خسرت أمام البرتغال، لكانت ستواجه كرواتيا في تورونتو، بينما كان التعادل أو الفوز يعني مواجهة غانا في كانساس سيتي، وهو الخيار الذي فضله المنتخب الكولومبي.
لكن أهمية المباراة لم تكن مرتبطة فقط بالمنافس المقبل، بل بما تمثله من اختبار حقيقي لمسيرة المنتخب خلال العامين الماضيين.
من نهائي كوبا أمريكا إلى أزمة ثقة
تحت قيادة المدرب الأرجنتيني نيستور لورينزو، عاش المنتخب الكولومبي سلسلة طويلة من المباريات دون هزيمة.
لكن تلك السلسلة انتهت في يوليو 2024، وعلى الملعب نفسه في ميامي غاردنز، عندما خسر أمام الأرجنتين 1-0 بعد التمديد في نهائي كوبا أمريكا.
بعض الهزائم يمكن تجاوزها بسهولة، لكن هذه الهزيمة تركت أثرًا نفسيًا واضحًا.
فعندما استؤنفت تصفيات كأس العالم، لم يعد المنتخب كما كان.
خسر أربعًا من خمس مباريات، ومرّ بست مباريات متتالية دون أي انتصار، لتعود ذكريات الانهيار الذي حرمه من التأهل إلى كأس العالم في قطر.
ورغم أنه حسم التأهل بفوزين على بوليفيا وفنزويلا، فإن الشكوك لم تختفِ، بل ازدادت خلال فترة التوقف الدولي في مارس.
السقوط أمام فرنسا
في فرصة نادرة لمواجهة منتخب أوروبي، خسرت كولومبيا أولًا أمام كرواتيا بنتيجة 2-1.
ورغم أن الأداء لم يكن سيئًا، فإن المباراة التالية أمام فرنسا كانت مختلفة تمامًا.
بعد أيام من فوز فرنسا على البرازيل، قرر المنتخب الفرنسي إشراك عدد من البدلاء أمام كولومبيا.
لكن النتيجة كانت كارثية.
تقدمت فرنسا بثلاثة أهداف بعد بداية الشوط الثاني، وكان بإمكانها تسجيل سبعة أو حتى ثمانية أهداف.
وسجلت كولومبيا هدفًا شرفيًا، لكن المدرب لورينزو خرج مدركًا أن فريقه تعرض لتفوق كامل، وأن عليه إجراء تغييرات كبيرة قبل كأس العالم.
السؤال الكبير: هل الخطة ما زالت صالحة؟
واجه لورينزو سؤالًا مصيريًا:
هل يواصل الاعتماد على أسلوب اللعب الذي بناه خلال ثلاث سنوات، أم يعيد بناء الفريق بالكامل؟
كانت الخطة واضحة:
- لويس دياز جناحًا أيسر.
- مهاجم صريح، سواء لويس سواريز أو جون كوردوبا.
- خلفهما صانع الألعاب المخضرم خاميس رودريغيز.
ورغم أن خاميس لم ينجح خلال سنواته الأخيرة مع الأندية، منذ انتقاله إلى ريال مدريد بعد كأس العالم 2014 مقابل 75 مليون يورو، فإنه ظل عنصرًا أساسيًا في مشروع لورينزو.
ويبقى التفاهم بينه وبين لويس دياز أحد أخطر أسلحة المنتخب، إلى جانب دقته الكبيرة في تنفيذ الكرات الثابتة.
لكن الاعتماد على صانع ألعاب متقدم في السن مع وجود مهاجمين يفرض عبئًا دفاعيًا كبيرًا على ثلاثي الوسط:
- جيفرسون ليرما.
- ريتشارد ريوس.
- جون أرياس.
وأمام فرنسا، تعرض هذا الثلاثي للتفوق الكامل.
التعديلات بدل الثورة
كان أمام لورينزو خياران:
إما تغيير فلسفة الفريق بالكامل، أو إجراء تعديلات تجعلها أكثر توازنًا.
واختار الخيار الثاني.
بداية جيدة… ثم اختبار البرتغال
افتتحت كولومبيا مشوارها في كأس العالم بالفوز على أوزبكستان.
لم يكن الأداء مقنعًا، لكن الفوز منح الفريق ثلاث نقاط مهمة وخفف الضغوط.
ثم جاء الفوز على الكونغو الديمقراطية بعد بداية قوية ونهاية متوازنة.
لكن البرتغال كانت الاختبار الحقيقي.
فهي أول منتخب من الصف الأول تواجهه كولومبيا منذ الخسارة أمام فرنسا، كما أنها تمتلك خط وسط قادرًا على استغلال أي خلل تكتيكي.
وكان على كولومبيا أن تثبت لنفسها أولًا، ثم لجماهيرها الصاخبة، أن نظامها الجديد لم يعد مكشوفًا أمام المنتخبات الكبرى.
وقد نجحت في ذلك.
ماذا غيّر لورينزو؟
أولًا، ألزم خاميس رودريغيز بالقيام بواجبات دفاعية أكبر.
قد تستطيع الأرجنتين منح ليونيل ميسي حرية التجول دون كرة، لكن كولومبيا لا تستطيع منح خاميس الامتياز نفسه.
ولهذا السبب لم يُكمل خاميس أي مباراة في دور المجموعات، إذ استُبدل بين الدقيقتين 57 و75 في كل اللقاءات.
ولم تكن هناك أي مشكلة في ذلك.
فالمدرب واللاعب يتفقان على أن الأمر يصب في مصلحة الفريق.
كما تمتلك كولومبيا بدائل جيدة، مثل:
- خوان فرناندو كينتيرو عندما تحتاج إلى صانع ألعاب مشابه.
- خامينتون كامباز عندما تحتاج إلى السرعة في الهجمات المرتدة.
تغيير مهم في خط الوسط
التعديل الثاني كان في وسط الملعب.
فقد تراجع دور ريتشارد ريوس صاحب المهارات الفردية، مقابل الاعتماد بصورة أكبر على غوستافو بويرتا، الذي يتميز بالجهد الكبير والانضباط التكتيكي.
هذا التغيير منح الفريق صلابة دفاعية أكبر، وهو أمر ضروري لنجاح خطة لورينزو.
كما سمح لجون أرياس بالتقدم هجوميًا بحرية أكبر.
هل تستطيع كولومبيا المنافسة على اللقب؟
بعد الأداء القوي أمام البرتغال، بدأ البعض يتحدث عن قدرة كولومبيا على الذهاب بعيدًا في البطولة.
لكن ذلك قد يكون مبالغة.
ففي بطولة تحسمها الأهداف، تبدو كولومبيا مفتقرة إلى مهاجم من الطراز العالمي.
ومع ذلك، فإن المنتخب قدم حتى الآن مستوى أفضل بكثير مما كان متوقعًا بعد الهزيمة الثقيلة أمام فرنسا.
بل إن تلك الخسارة تبدو الآن نقطة تحول مهمة ساعدت الفريق على تصحيح أخطائه قبل انطلاق كأس العالم.
اختبار جديد أمام غانا
التحدي المقبل سيكون أمام غانا بقيادة المدرب البرتغالي كارلوس كيروش، الذي سبق له تدريب كولومبيا لفترة قصيرة وصعبة في بداية تصفيات كأس العالم 2022.
ويملك كيروش خبرة كبيرة في كأس العالم، واشتهر بقدرته على بناء فرق قوية دفاعيًا، كما فعل مع إيران، ويطبق الأسلوب نفسه مع غانا، بالاعتماد على الدفاع المحكم والهجمات المرتدة السريعة.
وإذا فقدت كولومبيا توازنها وأصبحت هجومية أكثر من اللازم، فإن كيروش سيعرف كيف يستغل تلك الثغرات.
لكن المنتخب الكولومبي يثق بأن الهزيمة القاسية أمام فرنسا في مارس لم تكن نهاية الطريق، بل كانت الدرس الذي ساعده على الاستعداد بشكل أفضل لمطاردة حلم المجد في يوليو.